حين يتخلى الخير عن أسلحته يبدأ الشر في احتلال المكان

حين يتخلى الخير عن أسلحته يبدأ الشر في احتلال المكان (إعادة نشر).
منذ أن حرم آدم من طعام الجنة وأنزل الأرض والخير والشر مثل الليل والنهار يتصارعان على بسط النفوذ. فأينما غاب النور حل الظلام.
يسألني صديقي، مالذي تغير حتى يسطو كل هذا الشر على العالم؟ أتراه كتب علينا أن نعيش تحت ظلمته التي لا زالت تسْودّ ويحلك ليلها!؟ فقلت له : في الحقيقة، لا تلم الظلام لأنه ما أراد أن يترك الساحة التي غادر النور فارغة، بل اسأل عن أسباب غياب النور وضعف مصابيحه. إذ تنطفأ الواحد تلو الآخر في سرعة رهيبة، بعضها يموت في صمت والآخر يحترق فيحرق معه من كان ينير لهم الطريق.
أترى ذلك الإنسان الطالح الذي ما يكاد الآخرون يتوقف لسانهم عن الدعاء عليه!؟ أنه في الحقيقة يستولي على مكان هم من غادره لفترة كانت كافية لأن يعتبره ملكا له، بعدما لمس بعض الرضا في التخلي عنه وشيئا فشيئا بدأ يحط رحاله ويشغل المكان، إلى أن أصبح ملكه، وعليه أن يدافع عنه الآن.
إننا نرى الولد يسرق قلم صديقه ويأتي به إلى البيت ولا نسأله عن مصدره ولعلنا ندري ونقول … لا ضرر فهذا لعب أطفال وعليه أن يتعلم بعضا من التصرف حال المواقف الصعبة. يعتقد الصغير أن ذلك من حقوقه، فيتقدم رويدا رويدا إلى ساحتك الخاصة، يأخذ نقودك من جيبك وأنت تضحك، يسرق بيت جارك ويكتشف أمره، فتأتي بالجاه وشهود الزور لتخلصه حتى من مجرد توبيخ. يوما ما ستجد نفسك تصرف أموالك على زلاته وكوارثه. لقد حصلت على ولد عاق بامتياز لا سلطة لك عليه ولاحرمة لك منه.
إننا نسمع من إبن الجيران كلاما بذيئا ونصم آذاننا بدل نهره فيعتقد أنه لا سلطة لنا عليه فيستمر ويزيد من غلظ القول غير مبال بك وأنت تمر بجانبه حتى لكأنه يعتقد أنك مجرد دابة ليس عليه في الكلام لها احترام. وحين تمر مع ابنتك وقد صارت شابة يافعة، لن يخجل أبدا من أن يعاكسها أمام عينيك وقد تجد نفسك يوما ما في الاستعجالات تنزف من ضربة سيف أو كسر عظمة، لأنك فقط أردت نهره عن الابتعاد عن عيالك، هذا إن لم تكن في الحدث جنازتك. إنه في الحقيقة، لم يفعل شيئا، سوى أنه كان يدافع عن ساحته التي منحتها إياه عن طيب خاطر من مواقف سلبية سبقت.
يدخل الموظف مكتبك ويضع رجله اليمنى على اليسرى، ثم يشعل سيجارته. تغض الطرف أنت وتكتم أنفاسك بدل أن تخمد سيجارته في موقف غضب. لن يتوقف بعد ذلك إلا وهو يضع يوما ما رجله على مكتبك، يدخله في غيابك، يأخذ من حاجياتك، يستخدم ختمك دون إذنك، يرمي في وجهك الأوراق لأنك سألته عن سبب التأخر، يرفض عملا هو من واجباته… ويستمر في احتلال ساحاتك التي انسحبت منها الواحدة تلو الأخرى… إلى أن تجد نفسك خارج المنصب، هذا إن لم تجد نفسك بين جلسات المحاكم وعلى أبواب السجون. إنك في الحقيقة إنما اضطررت إلى الخروج من أضيق باب حين استولى هو برضاك عن كل غرفك وساحتك التي ما كان عليك مقاسمتها إياه.
إن المنكر الذي نراه اليوم ما هو في حقيقة الأمر سوى خليفة معروف تخلى عن دوره. وصاحبه كما أوصاه قرينه لم يفعل شيئا سوى أنه تجرأ فتخاذلت وأمرك فاستجبت وحل مكانك فرضيت، فلا تلومن إلا نفسك. وكذلك يقول كبيرهم لأتباعه يوم الرجوع إلى ربهم ” وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ‌ إِنَّ اللَّـهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِ‌خِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِ‌خِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْ‌تُ بِمَا أَشْرَ‌كْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٢﴾ ” - إبراهيم. 

التعليقات

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته بارك الله فيك اخي الكريم ;وجدت هنا موضوع مميز وطرح شيق اعجبني وراق لي لمست ابداعا في الطرح وروعة في الانتقاء ومجهود تشكر عليه اخي الكريم فدمت ودام ابداعك .

تعليق السيد المدير مدير متوسطة بن شنب
المؤسسة: متوسطة بن شنب محمد

السلام عليكم

الطرح موضوعي وسليم حيث لابد من تبرير الفعل وخاصة عند الناشئة وعليه فأن مراقبة أبناؤنا في ما يفعلون تريية موازنة وتهذيب للأخلاقهم بشكل حضاري . بارك الله فيكم 

 

تعليق السيد المفتش بن فطومة بن شاعة
مفتش التربية والتعليم الإبتدائي - إدارة المدارس الإبتدائية

لابد ، ونحن كرجال تربية ، أن نراعي جوانب اللغة ، خصوصا ماتعلق بموازينها ، اقصد قواعدها لكون ذلك يعطيها جمالية وروعة ، إن في سماعها أو نطقها.
والكتابة أو التعليق في عجالة تجعل المرء يغفل هذا الجانب.
مع احترامي الكامل للجميع.

كلام قمة في الروعة ،وهذا فعلا الواقع الذي نعيشه  ،فالفساد أصبح يحارب الصلاح وبجرأة .